السيد كمال الحيدري

132

الإنسان بين الجبر والتفويض

* ثَمَّ طائفة من الآيات القرآنية نسبت الفعل الواحد إلى الله سبحانه في آية ثمّ عادت تنسبه نفسه إلى الإنسان في آية أخرى ، كما في قوله سبحانه عن القسوة : ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً ( البقرة : 74 ) وكذلك قوله : وَلكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَ - هُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ( الأنعام : 43 ) . فبينما ينسب القرآن الكريم القسوة في هاتين الآيتين إلى اليهود أنفسهم ، يعود في آية لينسبها إلى الله ، حيث يقول : فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُم‌ْقَاسِيَةً ( المائدة : 13 ) ، والجمع المنطقي بينهما أنّ للفعل الواحد نسبتين ، لأنّ المثبتات لا تنافي بينها . من الواضح أنّ وجود نسبتين للفعل لا يصحّ إلّا في ضوء نظرية الأمر بين الأمرين ، ومن ثمّ فهذا الضرب من الآيات دليل على صحّة النظرية . * من أبرز مزايا النظرية الثالثة أنّها تجمع في مركّب واحد بين نسبة الفعل إلى الله ونسبته إلى الإنسان فتتحاشى الجبر وتحافظ على الاختيار الإنساني ، وتصير من وراء ذلك إلى توازن متين بين أصل السلطنة والمشيئة والإرادة الإلهية من جهة وأصل العدل الإلهي من جهة أخرى ، دونما تفريط بأحد الطرفين لحساب الآخر . هذا الجمع المتوازن بين النسبتين والأصلين استمدّته نظرية الأمر بين الأمرين من كتاب الله . فمن جهة يخبر القرآن صراحة وفي آيات